الذهبي

32

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

فجوره اجتمع أهل الجبال على رجل من الإباضيّة يقال له مخلد بن كيداد ، وكان شيخا لا يقدر على ركوب الخيل ، فركب حمارا . وكان وزيره أعمى ، فاجتمع معه خلائق ، فسار فحصر القائم بالمهديّة . وكان مخلد أعرج يكنّى أبا يزيد ، وهو من زناتة ، قبيلة كبيرة من البربر ، وكان يتنسّك ويقصر دلقة الصّوف ، ويركب حمارا ، ولا يثبت على الخيل . وكان نافذ الأمر في البربر ، زاهدا ، ديّنا ، خارجيّا . قام على بني عبيد ، والنّاس على فاقة وحاجة لذلك . فقاموا معه وأتوه أفواجا ، ففتح البلاد ، ودخل القيروان . وتحيّز منه المنصور وتحصّن بالمهديّة الّتي بناها جدّه . ونفر مع مخلد الخلق والعلماء والصّلحاء ، منهم الإمام أبو الفضل التّنّيسيّ العبّاس بن عيسى الفقيه ، وأبو سليمان ربيع القطّان ، وأبو العرب ، وإبراهيم بن محمد . قال القاضي عياض في ترجمة العبّاس بن عيسى هذا : وركب أبو العرب وتقلّد مصحفا ، وركب الفقهاء في السّلاح ، وشقّوا القيروان وهم يعلنون التّكبير والصّلاة على النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم والتّرضي على الصّحابة . وركّزوا بنودهم عند باب الجامع . وهي سبعة بنود حمر فيها : لا إله إلّا اللَّه ، ولا حكم إلّا للَّه وهو خير الحاكمين ، وبندان أصفران لربيع القطّان فيهما : نصر من اللَّه وفتح قريب ، وبند مخلد فيه : اللَّهمّ انصر وليّك على من سبّ نبيّك ، وبند أبي العرب فيه : قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللَّه ، وبند أصفر لابن نصرون الزّاهد فيه : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [ ( 1 ) ] ، وبند أبيض فيه : محمد رسول اللَّه ، أبو بكر الصّدّيق ، عمر الفاروق ، وبند أبيض لإبراهيم بن محمد المعروف بالعشّاء فيه إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [ ( 2 ) ] الآية . وحضرت الجمعة فخطبهم أحمد بن أبي الوليد ، وحضّ على الجهاد . ثمّ ساروا ونازلوا المهديّة . فلمّا التقوا وأيقن مخلد بالنّصر غلب عليه ما عنده من الخارجيّة ، فقال لأصحابه : انكشفوا عن أهل القيروان حتّى ينال منهم عدوّهم . ففعلوا ذلك ، فاستشهد خمسة وثمانون رجلا من العلماء والزّهّاد ، منهم ربيع القطّان ، والتّنّيسيّ ، والعشّاء .

--> [ ( 1 ) ] سورة التوبة ، الآية 14 . [ ( 2 ) ] اقتباس من سورة التوبة ، الآية 40 : إِلَّا تَنْصُرُوهُ . . . .